محمد بن جرير الطبري
36
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ؛ جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ قال : نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : خائِنَةَ الْأَعْيُنِ أي يعلم همزه بعينه ، وإغماضه فيما لا يحب الله ولا يرضاه . وقوله : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ يقول : والأوثان والآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون بالله من قومك من دونه لا يقضون بشيء ، لأنها لا تعلم شيئا ، ولا تقدر على شيء ، يقول جل ثناؤه لهم : فاعبدوا الذي يقدر على كل شيء ، ولا يخفى عليه شيء من أعمالكم ، فيجزي محسنكم بالإحسان ، والمسئ بالإساءة ، لا ما لا يقدر على شيء ولا يعلم شيئا ، فيعرف المحسن من المسئ ، فيثيب المحسن ، ويعاقب المسئ . وقوله : إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ يقول : إن الله هو السميع لما تنطق به ألسنتكم أيها الناس ، البصير بما تفعلون من الأفعال ، محيط بكل ذلك محصيه عليكم ، ليجازي جميعكم جزاءه يوم الجزاء . واختلفت القراء في قراءة قوله : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ فقرأ ذلك عامة قراء المدينة : " والذين تدعون من دونه " بالتاء على وجه الخطاب . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة بالياء على وجه الخبر . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ يقول تعالى ذكره : أو لم يسر هؤلاء المقيمون على شركهم بالله ، المكذبون رسوله من قريش ، في البلاد ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ يقول : فيروا ما الذي كان خاتمة أمم الذين كانوا من قبلهم من الأمم الذين سلكوا سبيلهم ، في الكفر بالله ، وتكذيب رسله كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً يقول : كانت تلك الأمم الذين كانوا من قبلهم أشد منهم بطشا ، وأبقى في الأرض آثارا ، فلم تنفعهم شدة قواهم ، وعظم أجسامهم ، إذ جاءهم أمر الله ، وأخذهم بما أجرموا من معاصيه ، واكتسبوا من الآثام ، ولكنه أباد جمعهم ، وصارت مساكنهم خاوية منهم بما ظلموا وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ يقول : وما كان لهم من عذاب الله إذ جاءهم ، من واق يقيهم ، فيدفعه عنهم ، كالذي : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ يقيهم ، ولا ينفعهم . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ يقول تعالى ذكره : هذا الذي فعلت بهؤلاء الأمم الذين من قبل مشركي قريش من أهلكناهم بذنوبهم فعلنا بهم بأنهم كانت تأتيهم رسل الله إليهم بالبينات ، يعني بالآيات الدالات على حقيقة ما تدعوهم إليه من توحيد الله ، والانتهاء إلى طاعته فَكَفَرُوا يقول : فأنكروا رسالتها ، وجحدوا توحيد الله ، وأبوا أن يطيعوا الله فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ يقول : فأخذهم الله بعذابه فأهلكهم إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ يقول : إن الله ذو قوة لايقهره شيء ، ولا يغلبه ، ولا يعجزه شيء أراده ، شديد عقابه من عاقب من خلقه ؛ وهذا وعيد من الله مشركي قريش ، المكذبين رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم يقول لهم جل ثناؤه : فاحذروا أيها القوم أن تسلكوا سبيلهم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وجحود توحيد الله ، ومخالفة أمره ونهيه فيسلك بكم في تعجيل الهلاك لكم مسلكهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ يقول تعالى